الجاحظ

76

الحيوان

وقراءة الكتب ، وذلك أنّهم يزعمون أنّ النمرة لا تضع ولدها أبدا إلّا وهو متطوّق بأفعى ، وأنها تعيش وتنهش ، إلّا أنها لا تقتل . ولو كنت أجسر في كتبي على تكذيب العلماء ودرّاسي الكتب ، لبدأت بصاحب هذا الخبر . وليس هذا عندي كزعمهم أنّ الأفعى تلد وتبيض ، لأنّ تأويل ذلك أنّ الأفعى تتعضّل « 1 » بيضها ، فإذا طرّقت بالبيض تلوّت فحطمته في جوفها ، ثم ترمي بتلك القشور والخراشيّ « 2 » أوّلا فأولا ، كما لا بدّ لكلّ ذات حمل أن تلقي مشيمتها . ويزعم كثير من الأعراب أنّ الكمأة تتعفّن ، ويتخلّق منها أفاعي . فهذا الخبر وإن كنت لا أتسرّع إلى ردّه فإنّي على أصحابه ألين كنفا « 3 » . 2112 - [ قرن الكركدن ] وأمّا قرن الكركدن فخبّرني من رآه ممّن أثق بعقله ، وأسكن إلى خبره ، أنّ غلظ أصله وسعة جسمه يكون نحوا من شبرين ، وليس طوله على قدر ثخنه . وهو محدّد الرأس ، شديد الملاسة ، ملموم الأجزاء مدمج ، ذو لدونة وعلوكة في صلابة ، لا يمتنع عليه شيء . ويجهز من عندنا بالبصرة إلى الصين ؛ لأنّه يقع إلينا قبلهم ، فإذا قطعوه ظهرت في مقاطعه صور عجيبة . وفيه خصال غير ذلك ، لها يطلب « 4 » . 2113 - [ خيل النهر ] وقد كنا نزعم أنّ الهواء للعقاب ، والماء للتمساح ، والغياض للأسد حتى زعم أصحابنا أنّ في نيل مصر خيولا تأكل التماسيح أكلا ذريعا وتقوى عليها قوة ظاهرة ، وتغتصبها أنفسها فلا تمتنع عليها ، وعارضوا من أنكر خيل الماء ، بخنازير الماء وبكلاب الماء ، وبدخّس الماء . 2114 - [ إنقاذ بعض حيوان البحر للغريق ] ولم أجدهم يشكّون أن بعض الحيوان الذي يكون في البحر ممّا ليس بسمك وهو يعايش السمك - وقد ذهب عنّي اسمه - أنّه متى أبصر غريقا عرض له وصار تحت بطنه وصدره ، فلا يزال كالحامل له والمزجي والمعين ، حتى يقذف به إلى حزيرة ، أو ساحل ، أو جبل .

--> ( 1 ) تتعضّل ببيضها : تعسر عليها إخراجه . ( 2 ) الخراشي : جمع خرشاء ، وهي جلدة البيضة الداخلة . ( 3 ) انظر هذا الزعم في ربيع الأبرار 5 / 475 . والكنف : الجانب . ( 4 ) ربيع الأبرار 5 / 435 .